المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مراقبة الناس من منظور وجداني بقلمي


جاسم القرطوبي
08-08-2009, 08:37 PM
من راقب الناس مات غما، واحترقت كل آماله كفتيلة رغم أن خيطها دقيق جدا لكنه مُشَبَّعٌ بكل سائل سريع الاشتعال وقد أُوْقِدت بنار ٍ كنار نمرود هذا إن لم تكن أضرمت بنار كنار جهنم ضراوة.ولستُ هنا بصدد الخوض في الحسد والحاسدين وإن كان الحسد فرعا أولأ منه لأني تكلمت بموضوع سابق عن العين وإنما حديثي هذه المرة فيمن يراقبون الناس وسوف أقسم موضوعي على ثلاثة أوجه لمحة ونظرة ولثغة مستعينا باسم الله محاولا أن أختصر الشمس في إناء وإن كان من الحماقة بمكن أن تغطى الشمس بغطاء .فمراقبة الناس والتي يتبادر تعريفها لأذهاننا جميعا حسب العرف السائد ولهجتنا الدارجة هي تناقل معلومات عنهم، وقد تصل لرصد أنفاسهم أحيانا.ويعتقد البعض أنها قد تكون أحيانا حديثا ذا سننين فربما نستفيد من هذه المراقبة العزم والإصرار والمضي قدما مؤقنين أنها لربما تتطور لحسدهم في بعض الأحيان وبالحسد شرا كفى . ومن الملاحظ أن كثيرا من المجالس تكون فاكهتها مراقبة الناس.. ومن هنا تفكرت وفكرت بصوت عال لربما هذه الفئة ليس قصدها الحسد بل التوجع والتحسر على عزيزأو أو حصول مكروه لعزيز وخير مثال الذين نراهم يتذمرون بسبب أرقام بعض المبالغ الهائلة التي تصرفها الدول لمشاريعها الحيوية ؛ فالدولة عزيزة على مواطنيها والمشروع حيوي ولا شك أنه كالعزيز المنتظر ولكنهم في هالة تذمر لا تنفك .وتساءلت كثيرا ما السبب الرئيسي في محبة البعض مراقبة الناس؟ وهل سيستفيدون شيئا من ذلك؟ وثم وقفت لنتيجة يؤمن بها علماء المنطق وإن جحدتها أنفسهم إن طبيعة الإنسان صالحة ولا يرضى بالخطأ والخنا فلا يوجد سوي - أعزكم الله وحاشاكم - يرضى أن يرى قريبته أو بعيدته رحما بلبس غير محتشم ولكنه قد يرضى رؤية من سواهما ولقد شاهدت ألمانيا في إحدى حدائقنا ومعاكسين صغار يتحرشون ببناته وكأنه قرأ نظراتي ومراقبتي له فقال لي لفوره: أظنهم يعتقدون ما يشاهدونه في الأفلام مطردا على الكل . وتذكرت بأن القاعدة المسلمة في فن الاتصال أن الإنسان مدارك اكتسابه المعلومة بغض النظر عن صحتها متعددة : كالاستماع والقراءة والرؤية ونحوهم إلا أن الاستماع أعمها وأكبرها مساحة لا سيما في الرسم البياني الدائري ، وقلت في نفسي : لعل هذا إحدى الأسباب لانتهاج البعض هذا الأسلوب . وحرت جدا بتفكر خانق يا ترى هل من الواجب تضافر الجهود محاولة بعزم أكيد القضاء على هذه الظاهرة التي ربما لو استغللنا وقتها أنجزنا شيئا مهما أو لا أو الأمر سيان ؟
حري بنا أن نعلم ما لا يسع المسلم جهله وهي المعاني التي أوضحتها
الأحاديث النبوية في هذا الشأن كالأحاديث الآتية : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهم

(( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) رواه الترمذي والنسائي وغيرهما، (( كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع)) رواه مسلم وأحمد والترمذي وغيرهم ،ي أيضا أن يتحرى المسلم الفهمَ بين الأحاديث الماضية وبين الحديث الشريف : من رأى منكم منكرا فليغره بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه )) ليدرك فارقا لطيفا بين تعمد الرؤية وبين الرؤية مصادفة ، وبين التجسس الذي هو البحث لطلب العيب،وبين التحسس والذي قد يكون ليس لطلب العيب، والأمر شائك وغير سالك لضيق فكر مثلي ومن باب الفقه بالحديث هو أن أهل العلم قالوا في حديث من رأى منكم منكرا أن التغيير باليد يكون لأولي الأمر كالحاكم وباللسان للقرين والزميل ويكون بالقلب لمن لا نستطيع التحدث إليهم أو يكون في تحدثنا عليهم ضررا بالغا . ولنتقل نقلة ً أشبه ما تكون بالنوعية لا الكمية لأقوال علماء الصوفية والذين ما ذكروا في الشرق إلا أكثروا فيهم القدح والاتهام ، وإذا ما ذكروا في الغرب إلا أعدوهم من الأئمة الأعلام ، فابن عربي مثلا إلى يومنا هذا تضاف كلمة لعنه الله إلى اسمه بالرغم من أن الإمام العلامة السيوطي كتب كتابه الشهير في الذبِّ عنه وأسماه (( تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي)) ، وأما في الغرب فيشهدوا أنه عَلَم وفيلسوفٌ عظيم ٌ وأنه سبقهم في اكتشاف سرعة الضوء ، والفاكس وغيرهما وقد أوضح هذا الكلام الدكتور زغلول النجار ، كما أوضح غير الدكتور وكثير من الذين خالفوا الصوفية أن علم البرمجة العصبية ما هو إلا من علوم الصوفية .. وليس هذا محور حديثنا وإنما معنى المراقبة معهم والتي بينها وبين مفهوم اليوم للمراقبة بون شديد وإن حققنا وجدناها هي الأصل الأصيل الذي تحث عليه الشريعة الإسلامية وإليكم نقلا مختصرا مما قالوه المراقبة هي طريقة تعريف الصوفيين لفكرة التأمل (Meditation) والتي هي رياضة فكرية تسمح لمزاولها ان يتخطى الفكر المكيف والغوص في حالات أعمق من الراحة والتبصر. والمعنى المحازي بحسب المتصوفة هو مراقبة النفس أو الروح ومنها اكتساب المعرفة حولها وحول خالقها. ومنهم من قال أن المراقبة هي مراقبة الله لنفسنا ، وقال ابن القيم رحمه الله في " مدارج السالكين " :

من منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } منزلة المراقبة ..
وهي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه..
فاستدامته لهذا العلم ، واليقين بذلك هي المراقبة ..
وهي ثمرة علمه بأنَّ الله سبحانه ..
رقيب عليه ..
ناظر إليه ..
سامع لقوله ..
مطلع على عمله ..
ومن راقب الله في خواطره ؛ عصمه الله في حركات جوارحه ..
قال أحدهم : والله إني لأستحي أن ينظر الله في قلبي وفيه أحد سواه ..




قال ذو النون : علامة المراقبة ..

إيثار ما أنزل الله ..
وتعظيم ما عظَّم الله ..
وتصغير ما صغَّر الله ..



وقال إبراهيم الخوَّاص :

المراقبة ..

خلوص السرّ والعلن لله جلَّ في علاه ..
من علم ..
أنَّ الله يراه حيث كان ..
وأنَّ الله مطلع على باطنه وظاهره وسره وعلانتيته ..
واستحضر ذلك في خلوته ..
أوجب له ذلك العلم واليقين ..
ترك المعاصي والذنوب ..

كان بعض السلف يقول لأصحابه : زهّدنا الله وإياكم في الحرام زهد من قدر عليه في الخلوة فعلم أنَّ الله يراه فتركه من خشيته جلَّ في علاه ؛

أو كما قال .. الشافعي :

أعزّ الأشياء ثلاثة ..

الجود من قلة ..
والورع في خلوة ..
وكلمة الحق عند من يُرجى أو يُخاف ..

وقالوا : أعظم العبادات مراقبة الله في سائر الأوقات ..



قال ابن القيم :

والمراقبة ..
هي التعبد بأسمائه :

الرقيب ..
الحفيظ ..
العليم ..
السميع ..
البصير ..

فمن عقل هذه الأسماء وتعبَّد بمقتضاها حصلت له المراقبة ..

إذا أردت أن تعرف مدى إيمانك ..
فراقب نفسك في الخلوات..
راقب نفسك في الخلوات ..

إنَّ الإيمان لا يظهر ..
في صلاة ركعتين ، أو صيام نهار ..
بل يظهر ..
في مجاهدة النفس والهوى ..

والله ..
ما صعد يوسف عليه والسلام ولا سعُد ..
إلا في مثل ذلك المقام ..
..{ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } ..


من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله ..
رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ..
وآخر دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال : إني أخاف الله ..
فقال: إني أخاف الله ..

أف للذنوب ..
أف للذنوب ..
ما أقبح آثارها ..
وما أسوأ أخبارها ..
وهل تحدث الذنوب إلا ..
في الغفلات ، والخلوات..

يا من لا يصبر لحظة عما يشتهي ..
قل من أنت ؟!..
وما علمك ؟!..
وإلى أي مقام ارتفع قدرك ؟!..
بالله عليك ..
أتدري من الرجل ؟!!..
الرجل والله ..
من إذا خلا بما يحب من المحرم ..
وقدر عليه ..
تذكر ، وتفكر ، وعلم ..
أنَّ الله يراه ..
ونظر إلى نظر الحق إليه ..
فاستحى من ربه ..

كيف يعصاه وهو يراه ..
كيف يعصاه وهو يراه ..

هيهات ..هيهات .. والله ..

لن تنال ولاية الله ..
حتى تكون معاملتك له خالصة ..

والله ..
لن تنال ولايته ..
حتى تترك شهواتك ..
وتصبر على مكروهاتك ..
وتبذل نفسك لمرضاته ..

الله ..الله ..
في مراقبة الحق جل في علاه..
الله ..الله ..
في الخلوات ..
الله ..الله ..
في البواطن ..
الله ..الله ..
في النيات ..
فإنَّ عليكم من الله عيناً ناظرة ..

{ فسبحان الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ..} ..
{ فسبحان الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }

وقبل الختام أحب أن أسأل الناس الذين يخشون ألسنة الناس وأولهم نفسي ما دامنا نعلم ان الله يراقبــــنا وسنموت وحــــدنا وسوف نسأل وحــــــد وسنبعث وحــــــــــــــــــــــــدنا وسندخل الجنة أو النار وحـــــــــــدنا فمالنا ومال الناس ماذا يفعلون لنا لننجو بأنفسنا ولنجعل دائما نصب أعيينا ولا تزر وازرة وزر اخرى وعند ربكم تختصمون وختاما أسأل هذه المرة من يُراقبه الناس أيضا لماذا نخشى مراقبة الناس ولا نخشى مراقبة الله؟ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

يوسف المفرجي
08-08-2009, 10:41 PM
جاسم القرطوبي ايها النقي..
موضوع شيق ورائع في مغزاه ومعناه..
جميل قلمك ورائع انت..
لك الود والتقدير