الجارف
01-29-2010, 11:52 PM
قصة من الخيال مزجت فيها بعض الواقع المقصوص من زمن..
الخشبة
كان يعيش مع امه و ابيه بين وادي خصب في قريته الصغيرة, يرعى غنمه و يحلبها و يساعد ابوه في زراعته الصغيرة و يجني من العنب و يركض به الى السوق ليبيعه ليعود مسرعا ليصطحبه اباه حيث يذهب.. و كانت حياته حياة بسيطة ممتلأة بالعمل و النشاط ، يعشق الجلوس مع ابيه في جلسة اسرية يسودها الضحك و المداعبات..
و في يوم نهض باكرا و هش غنماته و رحل يرعاها في السيوح الخصبة, و نام تحت سمرة يتغنى اغاني الفلاة و ينشد الاناشيد التي حفظها مبتهجا بها.. فسمع فجأة صراخ من بعيد, اخذ يترقب الصراخ الى ان و صل اليه فإذ بجاره و هو مرتعد متعب و في انفاس متتابعة اخذ يقول له كلام و لكن لم يفهم شيئ... اعاد الجار الكلام و فهم ما يقول و تفجرت دموعه من عيونه الى ان سقطت في الثرى.. كان يقول له: ان اباك مات...!!!
رمى عصاه في الارض و اخذ يركض يسارع الخبر و يفكر و يدعو الله ان يكون خبرا كذبا..
و صل البيت و رأى كومات الناس تتجمع هنا و هناك و فتح الباب و رأى امه مكبة على وجه ابيه تبكي بكاء الوداع..
و مضت الايام و عاد الفتى الى غنمه و عمله و وداع ابوه في شروق الشمس و غروبها و بين غنماته و في هبات الهواء.. و شاء الله ان يشغله بأمر جديد ينسيه ذلك الحزن من الفراق، حين هب جاره يطالبه بمال كان على ابوه له, و لم يكن يعلم به شيئ و شد الجار مطالبته و اشتكى و اقام الناس عليه و الى ان اجبروه على بيع داره و بستانه، ثم وفى الرجل حقه. و بعد هذه الحادثة عزم الى الرحيل من تلك القرية الى قرية اخرى.
وافقته امه بذلك و شدوا رحالهما و ساقوا غنمهما و ذهبا الى قرية اخرى. استقبلوا قرية جميلة بين اودية حولها و وجدوا فيها خصبا و مرعى. و اسقروا في القرية الجديدة و بنوا بيت صغير لهم.
بعد ان استقرت النفوس و تعارفت و تواطنت عزم على الرحيل الى زنجبار.. و شد رحاله و سافر عبر صحراء برزمان الى المكلا و ركب الخشبة و بها وصل زنجبار.. و عمل هناك في زراعة القرنفل و تطور و تاجر فيه سنينا طويلة, اتصف بين الناس بالكرامة و الامانة فأحبه التجار و المزارعين. و في يوم عزم فيه ان يعود الى بلاده و ركب في خشبة يقودها زنجي و ابحر مع اصحابه.. و عندما كانوا في ابحارهم غير بعيدين عن زنجبار لاح لهم في الافق قارب يصارع الموج و عن قليل بدأ يغرق في البحر، فطلب صاحبنا من صاحب الخشبة ان يذهب لمساعدة من في القارب و لكن الزنجي رفض ذلك.
لم يستطع الوقوف و التفرج الى ذلك القارب يغرق مع من فيه بدون ان يساعده.. و رمى نفسه في البحر و اخذ يسبح الى ان وصل الى القارب و حاول ان يقلب القارب الى ان نجح , و لم يجد احد , فظن انه جاء الى قارب فاضي.. و لحظة حين سمع صراخ استنجاد من قريب فقلب نظره حوله اذ رأى يدا تصعد و تغرق و سارع اليها و سحبها الى ان وضعها فوق القارب فإذ هي فتاة تصارع الغرق.
و غطت الفتاة في نوم عميق و هو في قارب لا شراع و لا موجه و لا توجيه في وسط البحر، و الخشبة غابت عن الانظار و لا يدري موقعها ، و فيها كل ما جناه من عمل و اجتهاد في زنجبار.. و بعد وقت طويل استيقضت الفتاة و اندهشت من رجل امامها لا تعرفه و لا يمد لها بصلة فخافت و حاولت ان ترمي بنفسها في البحر محبذة الموت و لا ان تقع فريسة.. فهدأها و اعطاها عهود الامان و الثقة الى ان هدأت , ثم بدأ يسألها كيف ابحرت بقارب صغير و حدها؟
قالت: انا فتاة عربية من عمان, اسكن في زنجبار و كنت مع اخي نتنزه بالقارب و لكن جرفنا الموج بعيدا بعد ان اسقطنا المجداف في البحر و غاص اخي يبحث عن المجداف الا انني اضعت اخي كذلك و اخيرا و صلت هنا معك..!!
بقيا على القارب يفكران كيف يتجهان أو ماذا يفعلان حتى يسوقان القارب الى بر الامان.. و جاء الليل و بدأت النجوم تتلامع في السماء و البحر هادئ و النسيم يهب من كل اتجاه و الظلام حالك مسوّد..
و في هذا الحال و هما يائسان و خائفان جاءتهم رحمة الله تعالى بأن يغرقان في نوم عمـــــيق.. و في شروق الشمس و ازعاجها لسبات العيون ازعج الاذن صوت مألوف غير متوقع في غمرة ظلام كانت تعهده, و تسارعت العيون تفتح فإذا هي امام اناس اجتمعوا في شاطئ غــريب.. نهض بقوة و ايقض الفتاة و اخذا ينظران الى من حولهم عسى ان يعرفا احدا أو يفهما لغة.. فاقترب منهما رجل صاحب هيبة و لحية كثيفة و قال لهما: من انتما؟
قال الرجل: نحن ضعنا في وسط البحر و جرنا الموج الى هنا لا نعرف اين و من انتم.
اجابه : انتما في امان , و هذه هي زنجبار..!!
فسارعت الفتاة تسابق الحروف في كلامها: اتعرف التاجر فلان ابن فلان..؟
قال: نعم، هو صاحب و صديق قديم لي!!
قالت: انا ابنته.. نحن ابناءه..
قال: مرحا بكم.. فدعاهما الى بيته و اقاما يومهما عنده, ثم امر غلمانه يصطحبانهما الى ابيهما.
و صلا بيت الفتاة و لكن الرجل و قف محتارا كيف يعمل أو ماذا يفعل في هذه المحنة المحرجة الثقيلة..
فدخلت الفتاة تركض الى اهلها ببكاء حاد فرحة و حزنا و قلقا..
فسألت عن اخيها: فقالوا لها: جاء و هو عند ابيه في الدكان.. و تساءلوا و جلسوا معا و استدعوا اباهم و اخيهم و جاءا و مرحوا, و نست ذلك الرجل الذي كان له الفضل في انقاذها و سلامتها..
و سألوها كيف نجوتي و ما قصتك..؟
و تذكرت ان هناك رجل غريب خسر ماله و كاد ان يخسر حياته لاجل انقاذها و نهضت بصرخة تقول : ادركوا الشاب فله الفضل علي.. اين هو؟ يا ويحي نكرت المعروف و نسيت الفضل..!! و اخذت تبكي..
فخرج اخوها و ابوها يبحثان عنه فإذا به جالس يتغنى بقصائد البؤس و الفراق تحت شجرة المبويو..
و قدما اليه و سألاه: من انت؟ قال : رجل رماني البحر في هذه الجنة, رجل جائع تحته الطعام و فوقه الطعام رجل عاري كسوته في عمق المحيط..! فعرفاه , ثم دعاه اب الفتاة الى بيته, و اجاب الدعوة بخوف و قلق, و عندما دخل البيت صرخت الفتاة : هو..انه هو من انقذني من الغرق و اوصلني هنا آمنة مطمئنة..
و قص قصته على اسرة الفتاة بحسرة و حزن عميق.. و قال له اب الفتاة: اني لحق علي ان اجازيك و اعطيك ما خسرت. فخرج الى دكانه و عاد بصرة ملؤها نقود و اخذ صندوق صغير مملوء باللؤلؤ و الذهب و اعطاه للرجل. و لكن الرجل رفض هذه العطايا التي اعتبرها ردا على احسانه و معروفه , و لكن قال له الاب: هذه هدية مني لك و اني حفظتها لاعطيها من يستحقها من عمان, و ها أنت قد جئت لتستحقها فخذها هنيئا لك. قبل الرجل المال و اعد نفسه للرجوع الى عمان.
و حين يعد نفسه تفكر في امر الفتاة و قال لنفسه: لماذا لا اتقدم لخطبتها فربما اتزوجها فمن اين لي بزوجة ان لم اتزوج اليوم..!!!
و هو في تخيلاته و افكاره اذ سمع خطوات تقترب نحوه... ثم وقف بجانبه رجل و رفع رأسه ليرى من هذا..؟ فإذا بابي الفتاة يقف بجانبه, فجلس بجواره و قال : يا ولدي ان فيك علامات النبل و الشهامة و الكرامة, و اني اتمنى لأبنتي رجل مثلك, و انت عماني من عمان و هذه هي منيتي ان يعود اولادي الى عمان, فما قولك لو زوجتك ابنتي..؟ تهلل الرجل فرحا و قال نعم اني موافق اريدها و سأكرهما و احافظ عليها باذن الله.. فأتفقا على ذلك و على ان يستشير ابنته ان كانت ستوافق بالزواج.
فعاد الاب الى ابنته و سألها و بدون تردد وافقت على الرجل الامين. و تم الزواج في يومها و تهيآ الى العودة الى عمان, و ركبا خشبة يقودها رجل من اليمن و ابحرا في بحر يخبئ من القصص قصص و حكايات..
فوصلا الى المكلا ثم ركبا خشبة اخرى الى محــوت و منها الى برزمان و منها الى قرية الخشــــبة دارهما...
و في فرحة تملأ الرجل بالزوجة و المال و لقاء امه و بلده, اذ وصل و الارض جرداء جافة و النخل خاوية و المزارع فضاء صحصح يطير منها الغبار.... و هو يملأ نوقه التمر و القمح و الماء و الزبيب و القرنفل و التوابل و الاقمشة... فذهب يركض الى بيته حيث ترك امه هناك, و وجدها جالسة في هزال و تعب و حزن.
و عانقته عناق المشتاق و عرفها بزوجته و جلسا في سمر و فرح بعد فراق طــــويل, و اخذ يقص لها قصصه و حكاياته و ما لاقى و ما فقد و كرم ابو زوجته له و ما اعطاه..
و قال لأمه: ماذا حدث يا أمي؟
قالت: انقطع المطر, و جف الفلج و غارت الآبار وهذا ما تراه ..
و قالت: يا ولدي لم نسمع بكاء طفل سنين طوال في كل ارجاء الخشبة..
قال بدهشة: لماذا يا امي؟
قالت: الجــــوع يا ولدي، فكيف تحمل نساء لم تأكل شيئا و رجال جوعى في ظل خوف و قلق..؟! فقم يا ولدي و اطعم من هنا مما جئت به و اسر قلوبهم و افرحهم و اشبع جوعهم..
فخرج الى نوقه و فرق منها ما استطاع و اطعم الجائع و ملأ البطون.. و حملت في تلك الليلة نصف سكان القرية لينقضي العام و تلد النساء من الاطفال ما شاء الله. و الله بعباده لطيف خبير و بعد ايام جاءت الرحمات من كل جانب بسحاب ثقال ليسيل وادي البطحاء و ما حولهم و تمتلأ آبارهم و افلاجهم ليوم نعهده اليوم... فلله الشكر على ما أنعم و اعطى.
الخشبة
كان يعيش مع امه و ابيه بين وادي خصب في قريته الصغيرة, يرعى غنمه و يحلبها و يساعد ابوه في زراعته الصغيرة و يجني من العنب و يركض به الى السوق ليبيعه ليعود مسرعا ليصطحبه اباه حيث يذهب.. و كانت حياته حياة بسيطة ممتلأة بالعمل و النشاط ، يعشق الجلوس مع ابيه في جلسة اسرية يسودها الضحك و المداعبات..
و في يوم نهض باكرا و هش غنماته و رحل يرعاها في السيوح الخصبة, و نام تحت سمرة يتغنى اغاني الفلاة و ينشد الاناشيد التي حفظها مبتهجا بها.. فسمع فجأة صراخ من بعيد, اخذ يترقب الصراخ الى ان و صل اليه فإذ بجاره و هو مرتعد متعب و في انفاس متتابعة اخذ يقول له كلام و لكن لم يفهم شيئ... اعاد الجار الكلام و فهم ما يقول و تفجرت دموعه من عيونه الى ان سقطت في الثرى.. كان يقول له: ان اباك مات...!!!
رمى عصاه في الارض و اخذ يركض يسارع الخبر و يفكر و يدعو الله ان يكون خبرا كذبا..
و صل البيت و رأى كومات الناس تتجمع هنا و هناك و فتح الباب و رأى امه مكبة على وجه ابيه تبكي بكاء الوداع..
و مضت الايام و عاد الفتى الى غنمه و عمله و وداع ابوه في شروق الشمس و غروبها و بين غنماته و في هبات الهواء.. و شاء الله ان يشغله بأمر جديد ينسيه ذلك الحزن من الفراق، حين هب جاره يطالبه بمال كان على ابوه له, و لم يكن يعلم به شيئ و شد الجار مطالبته و اشتكى و اقام الناس عليه و الى ان اجبروه على بيع داره و بستانه، ثم وفى الرجل حقه. و بعد هذه الحادثة عزم الى الرحيل من تلك القرية الى قرية اخرى.
وافقته امه بذلك و شدوا رحالهما و ساقوا غنمهما و ذهبا الى قرية اخرى. استقبلوا قرية جميلة بين اودية حولها و وجدوا فيها خصبا و مرعى. و اسقروا في القرية الجديدة و بنوا بيت صغير لهم.
بعد ان استقرت النفوس و تعارفت و تواطنت عزم على الرحيل الى زنجبار.. و شد رحاله و سافر عبر صحراء برزمان الى المكلا و ركب الخشبة و بها وصل زنجبار.. و عمل هناك في زراعة القرنفل و تطور و تاجر فيه سنينا طويلة, اتصف بين الناس بالكرامة و الامانة فأحبه التجار و المزارعين. و في يوم عزم فيه ان يعود الى بلاده و ركب في خشبة يقودها زنجي و ابحر مع اصحابه.. و عندما كانوا في ابحارهم غير بعيدين عن زنجبار لاح لهم في الافق قارب يصارع الموج و عن قليل بدأ يغرق في البحر، فطلب صاحبنا من صاحب الخشبة ان يذهب لمساعدة من في القارب و لكن الزنجي رفض ذلك.
لم يستطع الوقوف و التفرج الى ذلك القارب يغرق مع من فيه بدون ان يساعده.. و رمى نفسه في البحر و اخذ يسبح الى ان وصل الى القارب و حاول ان يقلب القارب الى ان نجح , و لم يجد احد , فظن انه جاء الى قارب فاضي.. و لحظة حين سمع صراخ استنجاد من قريب فقلب نظره حوله اذ رأى يدا تصعد و تغرق و سارع اليها و سحبها الى ان وضعها فوق القارب فإذ هي فتاة تصارع الغرق.
و غطت الفتاة في نوم عميق و هو في قارب لا شراع و لا موجه و لا توجيه في وسط البحر، و الخشبة غابت عن الانظار و لا يدري موقعها ، و فيها كل ما جناه من عمل و اجتهاد في زنجبار.. و بعد وقت طويل استيقضت الفتاة و اندهشت من رجل امامها لا تعرفه و لا يمد لها بصلة فخافت و حاولت ان ترمي بنفسها في البحر محبذة الموت و لا ان تقع فريسة.. فهدأها و اعطاها عهود الامان و الثقة الى ان هدأت , ثم بدأ يسألها كيف ابحرت بقارب صغير و حدها؟
قالت: انا فتاة عربية من عمان, اسكن في زنجبار و كنت مع اخي نتنزه بالقارب و لكن جرفنا الموج بعيدا بعد ان اسقطنا المجداف في البحر و غاص اخي يبحث عن المجداف الا انني اضعت اخي كذلك و اخيرا و صلت هنا معك..!!
بقيا على القارب يفكران كيف يتجهان أو ماذا يفعلان حتى يسوقان القارب الى بر الامان.. و جاء الليل و بدأت النجوم تتلامع في السماء و البحر هادئ و النسيم يهب من كل اتجاه و الظلام حالك مسوّد..
و في هذا الحال و هما يائسان و خائفان جاءتهم رحمة الله تعالى بأن يغرقان في نوم عمـــــيق.. و في شروق الشمس و ازعاجها لسبات العيون ازعج الاذن صوت مألوف غير متوقع في غمرة ظلام كانت تعهده, و تسارعت العيون تفتح فإذا هي امام اناس اجتمعوا في شاطئ غــريب.. نهض بقوة و ايقض الفتاة و اخذا ينظران الى من حولهم عسى ان يعرفا احدا أو يفهما لغة.. فاقترب منهما رجل صاحب هيبة و لحية كثيفة و قال لهما: من انتما؟
قال الرجل: نحن ضعنا في وسط البحر و جرنا الموج الى هنا لا نعرف اين و من انتم.
اجابه : انتما في امان , و هذه هي زنجبار..!!
فسارعت الفتاة تسابق الحروف في كلامها: اتعرف التاجر فلان ابن فلان..؟
قال: نعم، هو صاحب و صديق قديم لي!!
قالت: انا ابنته.. نحن ابناءه..
قال: مرحا بكم.. فدعاهما الى بيته و اقاما يومهما عنده, ثم امر غلمانه يصطحبانهما الى ابيهما.
و صلا بيت الفتاة و لكن الرجل و قف محتارا كيف يعمل أو ماذا يفعل في هذه المحنة المحرجة الثقيلة..
فدخلت الفتاة تركض الى اهلها ببكاء حاد فرحة و حزنا و قلقا..
فسألت عن اخيها: فقالوا لها: جاء و هو عند ابيه في الدكان.. و تساءلوا و جلسوا معا و استدعوا اباهم و اخيهم و جاءا و مرحوا, و نست ذلك الرجل الذي كان له الفضل في انقاذها و سلامتها..
و سألوها كيف نجوتي و ما قصتك..؟
و تذكرت ان هناك رجل غريب خسر ماله و كاد ان يخسر حياته لاجل انقاذها و نهضت بصرخة تقول : ادركوا الشاب فله الفضل علي.. اين هو؟ يا ويحي نكرت المعروف و نسيت الفضل..!! و اخذت تبكي..
فخرج اخوها و ابوها يبحثان عنه فإذا به جالس يتغنى بقصائد البؤس و الفراق تحت شجرة المبويو..
و قدما اليه و سألاه: من انت؟ قال : رجل رماني البحر في هذه الجنة, رجل جائع تحته الطعام و فوقه الطعام رجل عاري كسوته في عمق المحيط..! فعرفاه , ثم دعاه اب الفتاة الى بيته, و اجاب الدعوة بخوف و قلق, و عندما دخل البيت صرخت الفتاة : هو..انه هو من انقذني من الغرق و اوصلني هنا آمنة مطمئنة..
و قص قصته على اسرة الفتاة بحسرة و حزن عميق.. و قال له اب الفتاة: اني لحق علي ان اجازيك و اعطيك ما خسرت. فخرج الى دكانه و عاد بصرة ملؤها نقود و اخذ صندوق صغير مملوء باللؤلؤ و الذهب و اعطاه للرجل. و لكن الرجل رفض هذه العطايا التي اعتبرها ردا على احسانه و معروفه , و لكن قال له الاب: هذه هدية مني لك و اني حفظتها لاعطيها من يستحقها من عمان, و ها أنت قد جئت لتستحقها فخذها هنيئا لك. قبل الرجل المال و اعد نفسه للرجوع الى عمان.
و حين يعد نفسه تفكر في امر الفتاة و قال لنفسه: لماذا لا اتقدم لخطبتها فربما اتزوجها فمن اين لي بزوجة ان لم اتزوج اليوم..!!!
و هو في تخيلاته و افكاره اذ سمع خطوات تقترب نحوه... ثم وقف بجانبه رجل و رفع رأسه ليرى من هذا..؟ فإذا بابي الفتاة يقف بجانبه, فجلس بجواره و قال : يا ولدي ان فيك علامات النبل و الشهامة و الكرامة, و اني اتمنى لأبنتي رجل مثلك, و انت عماني من عمان و هذه هي منيتي ان يعود اولادي الى عمان, فما قولك لو زوجتك ابنتي..؟ تهلل الرجل فرحا و قال نعم اني موافق اريدها و سأكرهما و احافظ عليها باذن الله.. فأتفقا على ذلك و على ان يستشير ابنته ان كانت ستوافق بالزواج.
فعاد الاب الى ابنته و سألها و بدون تردد وافقت على الرجل الامين. و تم الزواج في يومها و تهيآ الى العودة الى عمان, و ركبا خشبة يقودها رجل من اليمن و ابحرا في بحر يخبئ من القصص قصص و حكايات..
فوصلا الى المكلا ثم ركبا خشبة اخرى الى محــوت و منها الى برزمان و منها الى قرية الخشــــبة دارهما...
و في فرحة تملأ الرجل بالزوجة و المال و لقاء امه و بلده, اذ وصل و الارض جرداء جافة و النخل خاوية و المزارع فضاء صحصح يطير منها الغبار.... و هو يملأ نوقه التمر و القمح و الماء و الزبيب و القرنفل و التوابل و الاقمشة... فذهب يركض الى بيته حيث ترك امه هناك, و وجدها جالسة في هزال و تعب و حزن.
و عانقته عناق المشتاق و عرفها بزوجته و جلسا في سمر و فرح بعد فراق طــــويل, و اخذ يقص لها قصصه و حكاياته و ما لاقى و ما فقد و كرم ابو زوجته له و ما اعطاه..
و قال لأمه: ماذا حدث يا أمي؟
قالت: انقطع المطر, و جف الفلج و غارت الآبار وهذا ما تراه ..
و قالت: يا ولدي لم نسمع بكاء طفل سنين طوال في كل ارجاء الخشبة..
قال بدهشة: لماذا يا امي؟
قالت: الجــــوع يا ولدي، فكيف تحمل نساء لم تأكل شيئا و رجال جوعى في ظل خوف و قلق..؟! فقم يا ولدي و اطعم من هنا مما جئت به و اسر قلوبهم و افرحهم و اشبع جوعهم..
فخرج الى نوقه و فرق منها ما استطاع و اطعم الجائع و ملأ البطون.. و حملت في تلك الليلة نصف سكان القرية لينقضي العام و تلد النساء من الاطفال ما شاء الله. و الله بعباده لطيف خبير و بعد ايام جاءت الرحمات من كل جانب بسحاب ثقال ليسيل وادي البطحاء و ما حولهم و تمتلأ آبارهم و افلاجهم ليوم نعهده اليوم... فلله الشكر على ما أنعم و اعطى.