عبدالحكيم ياسين
03-21-2008, 10:32 PM
[size=5][align=right]الجرعة الكافية
تهالك العجوز علىالأرض قرب باب بيته بعد أن أعياه فتح الباب
وبدت عليه علائم الإعياء والتعب وهو يحاول التقاط أنفاسه محركاً كامل
جسده لاستخلاصها من هواء تسبح فيه كل أنواع الملوثات ..
وفجأة أحس بيد حانية تلمس كتفه المرتجفة فنظر إلى صاحبها فإذا هو جاره
(عبدالله) ..حاول العجوز أن ينهض وقد أسعده حضور الجار ولكن عبدالله
دفعه برفق وحب ليبقى جالساً وقال:
- كيف حالك يا جار ؟ تبدو لي متعباً ..وربما في مشكلة ..
قال العجوز : هذا الباب اللعين يأبى أن يفتح ..الله أعلم ما السبب .
قال عبد الله : هل تسمح لي بالمحاولة ؟
-تفضل بارك الله فيك .
ومد عبدالله يده إلى المفتاح العالق في الباب فأداره ..وانفتح الباب حالاً.
قال العجوز :كيف فعلت ذلك؟
- لم أفعل ماهو غير معتاد .أدرت المفتاح فقط .ويبدو أنك كنت قد أقفلته على
سنتين ولم تدر إلا سنّة واحدة..ويئست بعدها ..
قام العجوز ودعا جاره إلى الدخول لشرب شيء ما معاً. فدخل عبد الله باسماً
وقال: اسمع ياجاري العزيز ..نحتاج دائما لبذل الجهد الكافي لإنجاز عمل ما ولقطف ثمرته..
المتعجّل يخيب رجاؤه ولا ينال إلا الحيرة والعذاب ..
قال العجوز : عفواً هل تسمح لي بتناول دوائي ..
قال عبدالله :تفضل ..
ضحك العجوز وقال : من فضلك ناولني تلك العلبة ..هناك فوق طرف الخزانة ..
-حبّاً وكرامة ..تفضل هاهي ..
- أخرج لي حبة من ظرف الدواء إذا سمحت .
- هاهي الحبة تفضل .
-كأس الماء من خلفك بارك الله فيك .
-سأسكبة فوق أصيص الورد ..وسأملأ لك كأساً جديدة .
-شكراً .ولكنني سأتعبك معي بطلب اخر ..إذا سمحت.
-أبشر .
-حبّة دواء أخرى من فضلك .
-وهنا ضحك عبد الله وهويناوله الحبة الأخرى ويقول:
حبة أخرى نعم ..دورة ثانية للمفتاح ..إنه القدر الكافي من العمل
لفتح الباب وهنا الجرعة الكافية ليأخذ الدواء مفعوله ..نعم الجرعة الكافية ..
إننا لاننتبه غالباً إلى أن الكفاية مطلوبة في كل شيء ..
لتحقيق هدف ما لا بد من توفير كل شروط تحققه ..
ومن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ..لا يكفي أبداً أن نفعل الخير
مرة في اليوم والشر مئات المرات ثم نمنّ بما فعلنا من خير على الله ..بل يجب
أن نفعل الخير الكافي للفوز برضاه ..
ضحك العجوز وقال : ما علا قة هذا بهذا يا جار ..تذهب دائماً إلى الله ..
مهما كان موضوع الحديث أجدك تقفز في لحظة ما إلى الله ..أنت تخيفني بتذكيري
به ..أخشى أنني لم أطعه كفاية ..
قال عبد الله : ما زال لديك متسع من الوقت ..إنه يعطي على القليل كثيراً ..
إن بابه مفتوح دائماً ..لا ينسى من يذكره .. يحب من أحبّه ..يستجيب لمن دعاه
كما يشاء هو لا كما يريد الداعي ..
-ما الفائدة إذاً ؟ أنا أريد بالضبط ما أدعو به .
-أنت لا ترى ما يراه .إنه يرى ماكنت فيه وما أنت فيه الان وما سيكون عليه حالك .
فإذا لم يستجب لك ما فلأنه يعلم ما لا تعلم ويعلم ما يضرك وما ينفعك ويعلم أنّك
لن تكون سعيداً بالمحصلة لو استجاب لك ..
- إذاً ما فائدة دعائي يا صديقي ؟
-أيها الجار الطيب. إنّ الله يستجيب لك بأن يعوضك خيراً ويبدلك عما حرمت منه
من الذي كان سيضرك ما هو خير منه وما هو نافع لك ..والدنيا عند الله ليست بدار
حساب بل هي دار عمل وحتى لو لم تر فيها ما يسرك أبداً فلا أهمية لهذا مطلقاً ما دمت
في طاعة الله وما دمت تنشد رضاه وتطلب أجره وهو لن يحاسبك على ما لم يعطك إياه
فحساب المحروم أسهل وأخف بكثير من حساب من ظفر بالنعمة والقوة فأساء استخدامها
وصرفها في إيذاء الناس ..والله غني عن طاعتنا غير محتاج إلى عذابنا ..وقد جعل لنا من
البرّبالناس معراجاً إليه ..فالصبر الصبر على الخطائين فهم قد يتوبون ويصبحون خيراً منّا ..
والرفق الرفق بالضعفاء والجهلة فهم قد يتعلّمون ويحسنون ما لا نحسن ..والحذر الحذر من
أهواء النفس وشهواتها وأوهامها فهي قد تزيّن لنا كلّ سوء تحت ألف زعم وخلف مليون
شعار ..وإيّاك والاستخفاف بالكلمة الطيبة أو بالسخرية من أهلها واتهامهم بنواياهم أو
بعقولهم لأنك بذلك تمنع الناس من أقلّ ما يجب أن يفعلوه لسلوك دروب الخير ..فأسهل البرّ
ابتسامة أو كلمة طيبة ..فإذا استخففت بذلك قطعت الطريق على ما سيلي الكلام من
أفعال ..صحيح أنّ مكراً خبيثاً وكيداً عظيماً قد يختفي خلف قناع الطيبة وعذب الكلام
ولكن ذلك لا يعني مطلقاً الحطّ من شأن الكلمة الطيبة ..فهي كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها
في السماء ..فقل خيراً أو اصمت ..وتوكّل على الله بعد فعل ما يجب فمن توكّل على الله فهو حسبه
وكافيه ومنجّيه ممّن يضمر السوء ..ويخطيء كثيراً من يظنّ أنّ الّذين يتكلّمون بلسان الصدق والطيبة
هم من أهل الغفلة والسذاجة وممن يسهل خداعهم ..أبداً والله بل هم يمشون بنور الله وبحفظه وهم
إن منعهم أدبهم ورفقهم من فضح ساع بسوء فلأنّهم يدعون له بالهدى والرشاد والتوبة مع اتخّاذهم لكلّ
الاحتياطات التي تمنعه من إنفاذ مكره وكيده ..وأدعو الله لنفسي ولك يا جاري الطيب بكل خير
وأستأذنك بالانصراف إلى شؤوني ولا تنس وفقك الله الجرعة الكافية ..
-قال العجوز : ليتك استرسلت في مقالك وأكملت معروفك فكأنني لم أحصل منك بعد على جرعة كافية
من النصح ..ولم أفهم كثيراً مما قلت ..واعذرني إذا قلت لك إنني لم أصدق بعضه ..
-لا بأس عليك يا جاري الطيب ..تحتاج إلى جرعة كافية من التفكير فيما قلت لك فلا تتسرع في
الحكم عليه وتحتاج إلى جرعة كافية من الزمن أيضاً ومن اختبار العظة على جزئيات من حياتك
ثم تحتاج أيضاً وهذا أهم شيء إلى صدق التوجه نحو الله فهو ولست أنا من يستطيع إفهامك
ما تستطيع فهمه ..
-أشكرك يا جار على فتح الباب وعلى الحديث ..
-أنا في خدمتك يا جار ..وداعاً وإلى لقاء..
-قبل أن تنصرف يا جار أود أن أقول لك :
لم تكن الجرعة كافية من الوعظ ولن تكون كافية مهما فكّرت ومهما مرّ من زمن ..الوعظ شيء
لا يمكن الشبع منه ..ودائماً أراه ممّلاً لأنّه يبدو لي ناقصاً غير مشبع ...
-يا جاري العزيز : هناك شيء يجب أن نفهمه جميعاً ..الصلاح درجات ..وكلّ وعظ بليغ ينزل
على قلب طاهر يرفع صاحبه درجة فيظلّ ظامئاً رغم ارتقائه ..وعندما تعلم ذلك ستتخلص من
برمك بالوعظ وستدرك نفعه وأهميته ..
-ما زالت هناك مشكلة يا جار ..فما بال هؤلاء الواعظين لا يتّعظون ويخالفون عظاتهم ..
-مالك وما لمخالفاتهم ..ربهم سيحاسبهم على المخالفة ..خذ منهم ما ينفعك ودع حسابهم لله ..
ثمّ لا تحكم عليهم من خلال تصرّف أو عمل رأته عيناك ولم تعلم ما سيكون منهم بعد ذلك ..أليس لهم
مثلك حق التوبة والإصلاح ..هل تحتاج إلى ملائكة يمشون على الأرض لا يخطؤون أبداً لكي تسلك
سبل الخير ..هل تضمن نفسك ألا تخالف عندها .. دعك من الناس ومن تقليدهم وحسبك أن
ترسم لنفسك الدرب إلى الله وفق ما أمر وحسبما شرع ..
-يا أخي ..يا جاري هذا عذابي الأكبر ..أن أعرف حقاً ما يجب علي عمله .. بماذا أمر الله ..
وماذا شرع .. يرعبني اختلاف الناس وكل منهم يزعم امتلاك كل الحقيقة ..
يا جاري العزيز : هناك حد أدنى من الصلاح يتفقون جميعاً عليه ..إنها مكارم الأخلاق ابدأ منها
وسيأخذ الله بيدك ..كن مؤمنا بوجوده وبحسابه ..واقرأ باهتمام وبتمعن ما أنزله .. وأحسن إلى
أهلك وجيرانك ..واجتنب ما يشكل عليك واختر العدالة في القول مع من تحب ومن تكره ..ولا
يخرجك غضبك من حق إلى باطل ..ولا تعن ظالماً على ظلم ولو بنظرة ..
-مهلاً مهلاً ..ماذا قلت ولو بنظرة ..هذا كثير هذا ثقيل ..تكليف بما لا يطاق ..
تزمّت ..إرهاب ..
- ماذا أيضاً ؟
- هل بقي شيء ؟
- نعم بقي أن تقول هذه هي الحدود ..هذا حدّ العدالة ..فمن تجاوزه أثم ومن لزمه سلم ..
وتجاوزه لا يعني الهلاك كما بدا لك أيها المتزمّت العجوز ..قد يعني أن تجزى بسوء مثله ..
وقد يعني نقص في الدرجة ..وقد يعني الهلاك إذا استمرأته وأحللته لنفسك وأصررت عليه ..
ولم تتب منه ولم تخف من عواقبه ..وعلى كلّ حال هناك فارق كبير بين الصغائر والكبائر..
اجتنب الكبائر فربما كان الضعف البشري واختلاف قوانا وصبرنا يجعلنا لا ننجو من صغائر
الأخطاء ولكن الكبائر نستطيع جميعاً اجتنابها ..
-من قال لك ذلك ؟ ما دليلك ؟
-أنت عجوز مجادل ..ياأخي تب منها وانصرف عني ..
- ومن قال لك إنّني من أهلها ؟
-ادع لأهلها بالتوبة ..وخلّصني من هذا الحديث المطاط ..
- ماذا ؟ أين طمعك في الأجر ؟ هيا هيا انكشف على حقيقتك .. واخلع قناع الحرص على
الثواب الذي تقابل به جارك الحسن النوايا ..
-لك الله يا سليط اللسان ..من قال لك أن هناك أجر في حديث راح يدخل فيما لا يعنينا ..
بدأت تسأل عن حال الناس وتركت حالنا ..والواجب يا جار أن تلزم حدود ما يهمك ..ما يصلح
من شأنك ..ما يزيدك صلاحاً ..
- إنما أردت أن أفهم ..
-ومن قال لك إنّ عندي علم الأولين والاخرين ..ما أنا إلا باحث عن الأطر العامة التي لا تخفى على أحد..
أسلّط عليها اهتمامي لكي لا أحيد عن الجادة ..ولا أدخل في المتاهات ..ولا أضيع في التفاصيل ..
ولا أخذ دور غيري من أهل العلم والتخصص ممن أفنوا عمرهم في البحث والتحصيل ..فأطلق سراحي
أرجوك ..وأعتقني من شغبك وقل لي مع السلامة ..أكن الأسعد ..
-بارك الله فيك ياجاري ..والله لقد سررت بالحديث معك وأرجو أن أكون قد انتفعت ..وفقك الله
وفي أمانه ..لا تؤاخذني على المزاح الثقيل ..
- إلى لقاء أيها العجوز ..يمكنك الحضور مساء ..فللحديث بقية ..
تهالك العجوز علىالأرض قرب باب بيته بعد أن أعياه فتح الباب
وبدت عليه علائم الإعياء والتعب وهو يحاول التقاط أنفاسه محركاً كامل
جسده لاستخلاصها من هواء تسبح فيه كل أنواع الملوثات ..
وفجأة أحس بيد حانية تلمس كتفه المرتجفة فنظر إلى صاحبها فإذا هو جاره
(عبدالله) ..حاول العجوز أن ينهض وقد أسعده حضور الجار ولكن عبدالله
دفعه برفق وحب ليبقى جالساً وقال:
- كيف حالك يا جار ؟ تبدو لي متعباً ..وربما في مشكلة ..
قال العجوز : هذا الباب اللعين يأبى أن يفتح ..الله أعلم ما السبب .
قال عبد الله : هل تسمح لي بالمحاولة ؟
-تفضل بارك الله فيك .
ومد عبدالله يده إلى المفتاح العالق في الباب فأداره ..وانفتح الباب حالاً.
قال العجوز :كيف فعلت ذلك؟
- لم أفعل ماهو غير معتاد .أدرت المفتاح فقط .ويبدو أنك كنت قد أقفلته على
سنتين ولم تدر إلا سنّة واحدة..ويئست بعدها ..
قام العجوز ودعا جاره إلى الدخول لشرب شيء ما معاً. فدخل عبد الله باسماً
وقال: اسمع ياجاري العزيز ..نحتاج دائما لبذل الجهد الكافي لإنجاز عمل ما ولقطف ثمرته..
المتعجّل يخيب رجاؤه ولا ينال إلا الحيرة والعذاب ..
قال العجوز : عفواً هل تسمح لي بتناول دوائي ..
قال عبدالله :تفضل ..
ضحك العجوز وقال : من فضلك ناولني تلك العلبة ..هناك فوق طرف الخزانة ..
-حبّاً وكرامة ..تفضل هاهي ..
- أخرج لي حبة من ظرف الدواء إذا سمحت .
- هاهي الحبة تفضل .
-كأس الماء من خلفك بارك الله فيك .
-سأسكبة فوق أصيص الورد ..وسأملأ لك كأساً جديدة .
-شكراً .ولكنني سأتعبك معي بطلب اخر ..إذا سمحت.
-أبشر .
-حبّة دواء أخرى من فضلك .
-وهنا ضحك عبد الله وهويناوله الحبة الأخرى ويقول:
حبة أخرى نعم ..دورة ثانية للمفتاح ..إنه القدر الكافي من العمل
لفتح الباب وهنا الجرعة الكافية ليأخذ الدواء مفعوله ..نعم الجرعة الكافية ..
إننا لاننتبه غالباً إلى أن الكفاية مطلوبة في كل شيء ..
لتحقيق هدف ما لا بد من توفير كل شروط تحققه ..
ومن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ..لا يكفي أبداً أن نفعل الخير
مرة في اليوم والشر مئات المرات ثم نمنّ بما فعلنا من خير على الله ..بل يجب
أن نفعل الخير الكافي للفوز برضاه ..
ضحك العجوز وقال : ما علا قة هذا بهذا يا جار ..تذهب دائماً إلى الله ..
مهما كان موضوع الحديث أجدك تقفز في لحظة ما إلى الله ..أنت تخيفني بتذكيري
به ..أخشى أنني لم أطعه كفاية ..
قال عبد الله : ما زال لديك متسع من الوقت ..إنه يعطي على القليل كثيراً ..
إن بابه مفتوح دائماً ..لا ينسى من يذكره .. يحب من أحبّه ..يستجيب لمن دعاه
كما يشاء هو لا كما يريد الداعي ..
-ما الفائدة إذاً ؟ أنا أريد بالضبط ما أدعو به .
-أنت لا ترى ما يراه .إنه يرى ماكنت فيه وما أنت فيه الان وما سيكون عليه حالك .
فإذا لم يستجب لك ما فلأنه يعلم ما لا تعلم ويعلم ما يضرك وما ينفعك ويعلم أنّك
لن تكون سعيداً بالمحصلة لو استجاب لك ..
- إذاً ما فائدة دعائي يا صديقي ؟
-أيها الجار الطيب. إنّ الله يستجيب لك بأن يعوضك خيراً ويبدلك عما حرمت منه
من الذي كان سيضرك ما هو خير منه وما هو نافع لك ..والدنيا عند الله ليست بدار
حساب بل هي دار عمل وحتى لو لم تر فيها ما يسرك أبداً فلا أهمية لهذا مطلقاً ما دمت
في طاعة الله وما دمت تنشد رضاه وتطلب أجره وهو لن يحاسبك على ما لم يعطك إياه
فحساب المحروم أسهل وأخف بكثير من حساب من ظفر بالنعمة والقوة فأساء استخدامها
وصرفها في إيذاء الناس ..والله غني عن طاعتنا غير محتاج إلى عذابنا ..وقد جعل لنا من
البرّبالناس معراجاً إليه ..فالصبر الصبر على الخطائين فهم قد يتوبون ويصبحون خيراً منّا ..
والرفق الرفق بالضعفاء والجهلة فهم قد يتعلّمون ويحسنون ما لا نحسن ..والحذر الحذر من
أهواء النفس وشهواتها وأوهامها فهي قد تزيّن لنا كلّ سوء تحت ألف زعم وخلف مليون
شعار ..وإيّاك والاستخفاف بالكلمة الطيبة أو بالسخرية من أهلها واتهامهم بنواياهم أو
بعقولهم لأنك بذلك تمنع الناس من أقلّ ما يجب أن يفعلوه لسلوك دروب الخير ..فأسهل البرّ
ابتسامة أو كلمة طيبة ..فإذا استخففت بذلك قطعت الطريق على ما سيلي الكلام من
أفعال ..صحيح أنّ مكراً خبيثاً وكيداً عظيماً قد يختفي خلف قناع الطيبة وعذب الكلام
ولكن ذلك لا يعني مطلقاً الحطّ من شأن الكلمة الطيبة ..فهي كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها
في السماء ..فقل خيراً أو اصمت ..وتوكّل على الله بعد فعل ما يجب فمن توكّل على الله فهو حسبه
وكافيه ومنجّيه ممّن يضمر السوء ..ويخطيء كثيراً من يظنّ أنّ الّذين يتكلّمون بلسان الصدق والطيبة
هم من أهل الغفلة والسذاجة وممن يسهل خداعهم ..أبداً والله بل هم يمشون بنور الله وبحفظه وهم
إن منعهم أدبهم ورفقهم من فضح ساع بسوء فلأنّهم يدعون له بالهدى والرشاد والتوبة مع اتخّاذهم لكلّ
الاحتياطات التي تمنعه من إنفاذ مكره وكيده ..وأدعو الله لنفسي ولك يا جاري الطيب بكل خير
وأستأذنك بالانصراف إلى شؤوني ولا تنس وفقك الله الجرعة الكافية ..
-قال العجوز : ليتك استرسلت في مقالك وأكملت معروفك فكأنني لم أحصل منك بعد على جرعة كافية
من النصح ..ولم أفهم كثيراً مما قلت ..واعذرني إذا قلت لك إنني لم أصدق بعضه ..
-لا بأس عليك يا جاري الطيب ..تحتاج إلى جرعة كافية من التفكير فيما قلت لك فلا تتسرع في
الحكم عليه وتحتاج إلى جرعة كافية من الزمن أيضاً ومن اختبار العظة على جزئيات من حياتك
ثم تحتاج أيضاً وهذا أهم شيء إلى صدق التوجه نحو الله فهو ولست أنا من يستطيع إفهامك
ما تستطيع فهمه ..
-أشكرك يا جار على فتح الباب وعلى الحديث ..
-أنا في خدمتك يا جار ..وداعاً وإلى لقاء..
-قبل أن تنصرف يا جار أود أن أقول لك :
لم تكن الجرعة كافية من الوعظ ولن تكون كافية مهما فكّرت ومهما مرّ من زمن ..الوعظ شيء
لا يمكن الشبع منه ..ودائماً أراه ممّلاً لأنّه يبدو لي ناقصاً غير مشبع ...
-يا جاري العزيز : هناك شيء يجب أن نفهمه جميعاً ..الصلاح درجات ..وكلّ وعظ بليغ ينزل
على قلب طاهر يرفع صاحبه درجة فيظلّ ظامئاً رغم ارتقائه ..وعندما تعلم ذلك ستتخلص من
برمك بالوعظ وستدرك نفعه وأهميته ..
-ما زالت هناك مشكلة يا جار ..فما بال هؤلاء الواعظين لا يتّعظون ويخالفون عظاتهم ..
-مالك وما لمخالفاتهم ..ربهم سيحاسبهم على المخالفة ..خذ منهم ما ينفعك ودع حسابهم لله ..
ثمّ لا تحكم عليهم من خلال تصرّف أو عمل رأته عيناك ولم تعلم ما سيكون منهم بعد ذلك ..أليس لهم
مثلك حق التوبة والإصلاح ..هل تحتاج إلى ملائكة يمشون على الأرض لا يخطؤون أبداً لكي تسلك
سبل الخير ..هل تضمن نفسك ألا تخالف عندها .. دعك من الناس ومن تقليدهم وحسبك أن
ترسم لنفسك الدرب إلى الله وفق ما أمر وحسبما شرع ..
-يا أخي ..يا جاري هذا عذابي الأكبر ..أن أعرف حقاً ما يجب علي عمله .. بماذا أمر الله ..
وماذا شرع .. يرعبني اختلاف الناس وكل منهم يزعم امتلاك كل الحقيقة ..
يا جاري العزيز : هناك حد أدنى من الصلاح يتفقون جميعاً عليه ..إنها مكارم الأخلاق ابدأ منها
وسيأخذ الله بيدك ..كن مؤمنا بوجوده وبحسابه ..واقرأ باهتمام وبتمعن ما أنزله .. وأحسن إلى
أهلك وجيرانك ..واجتنب ما يشكل عليك واختر العدالة في القول مع من تحب ومن تكره ..ولا
يخرجك غضبك من حق إلى باطل ..ولا تعن ظالماً على ظلم ولو بنظرة ..
-مهلاً مهلاً ..ماذا قلت ولو بنظرة ..هذا كثير هذا ثقيل ..تكليف بما لا يطاق ..
تزمّت ..إرهاب ..
- ماذا أيضاً ؟
- هل بقي شيء ؟
- نعم بقي أن تقول هذه هي الحدود ..هذا حدّ العدالة ..فمن تجاوزه أثم ومن لزمه سلم ..
وتجاوزه لا يعني الهلاك كما بدا لك أيها المتزمّت العجوز ..قد يعني أن تجزى بسوء مثله ..
وقد يعني نقص في الدرجة ..وقد يعني الهلاك إذا استمرأته وأحللته لنفسك وأصررت عليه ..
ولم تتب منه ولم تخف من عواقبه ..وعلى كلّ حال هناك فارق كبير بين الصغائر والكبائر..
اجتنب الكبائر فربما كان الضعف البشري واختلاف قوانا وصبرنا يجعلنا لا ننجو من صغائر
الأخطاء ولكن الكبائر نستطيع جميعاً اجتنابها ..
-من قال لك ذلك ؟ ما دليلك ؟
-أنت عجوز مجادل ..ياأخي تب منها وانصرف عني ..
- ومن قال لك إنّني من أهلها ؟
-ادع لأهلها بالتوبة ..وخلّصني من هذا الحديث المطاط ..
- ماذا ؟ أين طمعك في الأجر ؟ هيا هيا انكشف على حقيقتك .. واخلع قناع الحرص على
الثواب الذي تقابل به جارك الحسن النوايا ..
-لك الله يا سليط اللسان ..من قال لك أن هناك أجر في حديث راح يدخل فيما لا يعنينا ..
بدأت تسأل عن حال الناس وتركت حالنا ..والواجب يا جار أن تلزم حدود ما يهمك ..ما يصلح
من شأنك ..ما يزيدك صلاحاً ..
- إنما أردت أن أفهم ..
-ومن قال لك إنّ عندي علم الأولين والاخرين ..ما أنا إلا باحث عن الأطر العامة التي لا تخفى على أحد..
أسلّط عليها اهتمامي لكي لا أحيد عن الجادة ..ولا أدخل في المتاهات ..ولا أضيع في التفاصيل ..
ولا أخذ دور غيري من أهل العلم والتخصص ممن أفنوا عمرهم في البحث والتحصيل ..فأطلق سراحي
أرجوك ..وأعتقني من شغبك وقل لي مع السلامة ..أكن الأسعد ..
-بارك الله فيك ياجاري ..والله لقد سررت بالحديث معك وأرجو أن أكون قد انتفعت ..وفقك الله
وفي أمانه ..لا تؤاخذني على المزاح الثقيل ..
- إلى لقاء أيها العجوز ..يمكنك الحضور مساء ..فللحديث بقية ..