أمنيات
03-29-2008, 09:32 PM
وتر حول شعرية النص
مهما تنوعت واشتعلت أدوات الشاعر عند تجليه القصيدة ، تظل تدفقاته رهينة بمدى حضور الشعرية
ن فلا يتجه النص نحو الخارج والانفلات إلا بحسية مكوناته ، وجاذبية مفرداته ، إذ أن الجمالية الحقيقية للنص كامنة في القدرة على التخطي التخلص من شباك الأزمنة ، وذلك لا يتم بتمرد العلائق والسطوة التعبيرية ، بل بالحرارة القلبية تجاه الأشياء ، حيث تكون الرؤية روحية وليست بصرية ن بمعنى لا بد من شبقية الروح والتكوين والتصاق القلب بالصفات السحرية للكون ، وبرؤية شفيفة سأطرق الشعرية مختزلا تفرعاتها بنقطتين مهمتين بعيدا عن المبنى الدلالي الذي ازدحم بشدة في نصوص الكثير من الشعراء العمانيين ، متنوعا بين ثنائيات مختلفة ومتفاوتة في حضورها وخصوصيتها : الوجود والعدم / الثابت والمتحرك / الألوهة والبشرية / الواقع والحلم .
أولا : صخب المفردات والشعرية
يكثف الكثير من الشعراء طاقة عالية من المفردات منحدرة من اللهاث نحو النص ، يحاول الشاعر بذلك رصد صفة أخرى لشعره ، مغايرة عن نصوص غيره ، إلا أن القلق الدائم في البحث عن المفردة يفضي إلى وجود الكثير من المفردات غير مشعة في النص ذات مصدر تفكيري ، متذبذبة في الافصاح عن جمالية الصورة الشعرية ،مرتبكة في تحديد مسار الكتابة واتجاهاتها ، هذه الازدواجية المعجمية بين البوح والعتمة ، الصراخ والإنزواء ، تؤدي إلى انحسار شديد في نمو الشعرية ، وانتقالها إلى سطوة الذهن المتعجرف ، فحين نقرأ قصيدة ما مثلا تلسعنا كهرباء الشعر في بدايات المقطع ،واندلاق دهشة مطلقة لا حدود لها ، غير أنها سرعان ما تخفت وتبرد حرارتها ؛ لكثرة وجود كلمات منغلقة لا تخدم التراكيب والأساليب، إنها أصوات عقلية تتضح من خلال ملامستها ، ومدى اعتمادها على الخواص الحقيقية الواقعية للحدث ، وعدم ارتكازها على قوة انحراف المعنى وبهذه العبثية والاضطراب بين الشعرية الطافحة بالتوهج ، الآسرة بالزرقة الشعورية ، وبين التقوقع في دائرة الأجنحة المنكسرة ، يتوتر النص وتتماهى ظلاله ، ويفقد صفة الشعرية الأسطورية ، من هنا ندرك تماما أن الشعرية تجف وتخبو حينما يكون النص مشروعا تخطيطيا مرصوفا بالكلمات ، معذبا بالمعجمية الجافة .
ثانيا : الإيقاع والشعرية
يشكل الإيقاع القلب النابض للنص باعتباره سيد البنيات المكونة له ، يسمو بانبعاث الدهشة ومدى اختراق الموجودات عند الكتابة ، ويتألق بغنائية المطلق ، إنه سر ديمومة النص ولذته الخالدة ، يتحدى المجهول والذاكرة ، يحرر القلب من الجمود والانطفاء، به تستحيل الجهات فضاءا سافرا ، ودونه تضيق شرايين الاتصال بين الواقع واتلغيب ، والحدث ةالذات ، مهما برزت النغمات المؤتلفة واشتعل النص عروضيا ، والالحاح الشديد نحو الصوت الخارجي دون عفوية يؤدي إلى اختناق الايقاع وتحجر الشعرية ، وكلما كان الايقاع خائفا أصبحت الشعرية قلقة ، وفقدنا أوكسجين الشعر تدريجيا ، اذ أن الصعود والهبوط عشوائيا واعتباطيا في التدفقات الشعورية يحد من فاعلية التناغم الصوتي ، ويمزق حيويته والتصاقه بالعاطفة .
ويمثل الايقاع البؤرة الأساسية لشعرية النص فبينهما علاقة ديناميكية تفاعلية شديدة التشابك كلاهما يحرسان الشعر من الضياع والغياب بل استحالة أن يمتد النص سحرا بلا ايقاع يمنحه البياض ، وشعرية تعكس زوايا الصفة المدهشة للجمال، فالشعرية الحسية الممتلئة بالدلالات الكونية ملتصقة جدا بايقاع قزحي يتلون بامتزاج الأنا بالنداء الجماعي ، والمكان بالانسانية ، هذه المعادلة التوالدية يجب ممارستها نزفا وليست نزقا نحو العالمية والظهور.
اسحاق الخنجري
مهما تنوعت واشتعلت أدوات الشاعر عند تجليه القصيدة ، تظل تدفقاته رهينة بمدى حضور الشعرية
ن فلا يتجه النص نحو الخارج والانفلات إلا بحسية مكوناته ، وجاذبية مفرداته ، إذ أن الجمالية الحقيقية للنص كامنة في القدرة على التخطي التخلص من شباك الأزمنة ، وذلك لا يتم بتمرد العلائق والسطوة التعبيرية ، بل بالحرارة القلبية تجاه الأشياء ، حيث تكون الرؤية روحية وليست بصرية ن بمعنى لا بد من شبقية الروح والتكوين والتصاق القلب بالصفات السحرية للكون ، وبرؤية شفيفة سأطرق الشعرية مختزلا تفرعاتها بنقطتين مهمتين بعيدا عن المبنى الدلالي الذي ازدحم بشدة في نصوص الكثير من الشعراء العمانيين ، متنوعا بين ثنائيات مختلفة ومتفاوتة في حضورها وخصوصيتها : الوجود والعدم / الثابت والمتحرك / الألوهة والبشرية / الواقع والحلم .
أولا : صخب المفردات والشعرية
يكثف الكثير من الشعراء طاقة عالية من المفردات منحدرة من اللهاث نحو النص ، يحاول الشاعر بذلك رصد صفة أخرى لشعره ، مغايرة عن نصوص غيره ، إلا أن القلق الدائم في البحث عن المفردة يفضي إلى وجود الكثير من المفردات غير مشعة في النص ذات مصدر تفكيري ، متذبذبة في الافصاح عن جمالية الصورة الشعرية ،مرتبكة في تحديد مسار الكتابة واتجاهاتها ، هذه الازدواجية المعجمية بين البوح والعتمة ، الصراخ والإنزواء ، تؤدي إلى انحسار شديد في نمو الشعرية ، وانتقالها إلى سطوة الذهن المتعجرف ، فحين نقرأ قصيدة ما مثلا تلسعنا كهرباء الشعر في بدايات المقطع ،واندلاق دهشة مطلقة لا حدود لها ، غير أنها سرعان ما تخفت وتبرد حرارتها ؛ لكثرة وجود كلمات منغلقة لا تخدم التراكيب والأساليب، إنها أصوات عقلية تتضح من خلال ملامستها ، ومدى اعتمادها على الخواص الحقيقية الواقعية للحدث ، وعدم ارتكازها على قوة انحراف المعنى وبهذه العبثية والاضطراب بين الشعرية الطافحة بالتوهج ، الآسرة بالزرقة الشعورية ، وبين التقوقع في دائرة الأجنحة المنكسرة ، يتوتر النص وتتماهى ظلاله ، ويفقد صفة الشعرية الأسطورية ، من هنا ندرك تماما أن الشعرية تجف وتخبو حينما يكون النص مشروعا تخطيطيا مرصوفا بالكلمات ، معذبا بالمعجمية الجافة .
ثانيا : الإيقاع والشعرية
يشكل الإيقاع القلب النابض للنص باعتباره سيد البنيات المكونة له ، يسمو بانبعاث الدهشة ومدى اختراق الموجودات عند الكتابة ، ويتألق بغنائية المطلق ، إنه سر ديمومة النص ولذته الخالدة ، يتحدى المجهول والذاكرة ، يحرر القلب من الجمود والانطفاء، به تستحيل الجهات فضاءا سافرا ، ودونه تضيق شرايين الاتصال بين الواقع واتلغيب ، والحدث ةالذات ، مهما برزت النغمات المؤتلفة واشتعل النص عروضيا ، والالحاح الشديد نحو الصوت الخارجي دون عفوية يؤدي إلى اختناق الايقاع وتحجر الشعرية ، وكلما كان الايقاع خائفا أصبحت الشعرية قلقة ، وفقدنا أوكسجين الشعر تدريجيا ، اذ أن الصعود والهبوط عشوائيا واعتباطيا في التدفقات الشعورية يحد من فاعلية التناغم الصوتي ، ويمزق حيويته والتصاقه بالعاطفة .
ويمثل الايقاع البؤرة الأساسية لشعرية النص فبينهما علاقة ديناميكية تفاعلية شديدة التشابك كلاهما يحرسان الشعر من الضياع والغياب بل استحالة أن يمتد النص سحرا بلا ايقاع يمنحه البياض ، وشعرية تعكس زوايا الصفة المدهشة للجمال، فالشعرية الحسية الممتلئة بالدلالات الكونية ملتصقة جدا بايقاع قزحي يتلون بامتزاج الأنا بالنداء الجماعي ، والمكان بالانسانية ، هذه المعادلة التوالدية يجب ممارستها نزفا وليست نزقا نحو العالمية والظهور.
اسحاق الخنجري